ابن قيم الجوزية
111
البدائع في علوم القرآن
صحيحه نحوه من حديث جابر وأنس « 1 » . وفي هذا القول نظر ، فإن سورة يس مكية ، وقصة بني سلمة بالمدينة ، إلا أن يقال : هذه الآية وحدها مدنية « 2 » ، وأحسن من هذا أن تكون ذكرت عند هذه القصة ودلت عليها وذكروا بها عندها ، إما من النبي صلى اللّه عليه وسلم وإما من جبريل فأطلق على ذلك النزول . ولعل هذا مراد من قال في نظائر ذلك : نزلت مرتين . والمقصود أن خطاهم إلى المسجد من آثارهم التي يكتبها اللّه لهم . قال عمر بن الخطاب : لو كان اللّه سبحانه تاركا لابن آدم شيئا لترك ما عفت عليه الرياح من أثر . وقال مسروق : ما خطا رجل خطوة إلا كتبت له حسنة أو سيئة « 3 » . وكذلك وأما قوله : إنه صلى اللّه عليه وسلم كتب إلى نجران : باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب فلا أظن ذلك محفوظا ، وقد كتب إلى هرقل « بسم اللّه الرحمن الرحيم » ، وهذه كانت سنته في كتبه إلى الملوك ، وقد وقع في هذه الرواية هذا ، وقال ذلك قبل أن ينزل عليه : طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ ( 1 ) [ النمل ] . وذلك غلط على غلط ، فإن هذه السورة مكية باتفاق « 4 » . فصل مثال المدني فلما استقر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة ، وأيده اللّه بنصره بعباده المؤمنين الأنصار ، وألف بين قلوبهم بعد العداوة والإحن التي كانت بينهم ، فمنعته أنصار اللّه وكتيبة الإسلام من الأسود والأحمر ، وبذلوا نفوسهم دونه ، وقدموا محبته على محبة الآباء والأبناء والأزواج ، وكان أولى بهم من أنفسهم ، رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة . وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة ، وصاحوا بهم من كل جانب ، واللّه سبحانه يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة ، واشتد الجناح ، فأذن لهم حينئذ في القتال ، ولم يفرضه عليهم ، فقال تعالى : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ( 39 ) [ الحج ] .
--> ( 1 ) مسلم ( 665 / 280 ) في المساجد ومواضع الصلاة ، باب : فضل كثرة الخطا إلى المساجد . ( 2 ) قال القرطبي : « هي مكية بإجماع ، إلا أن فرقة قالت : إن قول اللّه تعالى : وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ مدنية ، ( 6 / 5445 ) وانظر بدائع التفسير ( 3 / 467 ) . ( 3 ) شفاء العليل ( 1 / 116 / 117 ) . ( 4 ) زاد المعاد ( 3 / 642 ) .